سبل الخروج من الأزمة الفلسطينية

img02

 

 

بقلم محمد مشارقة.

 

منذ سنوات والجدل يدور في الساحة الفلسطينية حول سبل الخروج من المأزق السياسي الراهن الذي دخله المشروع الوطني بدءا من تطبيقاته على الارض من خلال اقامة سلطة وطنية محدودة الصلاحية على جزء من وطننا التاريخي، فقد اجبرت التطورات الدولية والاقليمية مع نهاية القرن الماضي على اعادة صياغة مشروعنا التحرري بالقبول بتسوية غامضة، لكنها تعيد ترتيب الاولويات الوطنية بما يؤمن انتقال مركز العملية الوطنية الى الداخل باعتباره خطوة حاسمة في استعادة الهوية الوطنية في اطار كيان سياسي.

لكن السياق الذي سار فيه المشروع وصل الى حائط مسدود بفعل عوامل شتى . غير ان الاجابات عن اسئلة الواقع، على اهميتها وعمقها، ظلت في اطار النخب السياسية والاكاديمية ولم تتحول الى فعل سياسي وبرنامجي انقاذي ، في ظل حالة الانقسام والعطالة السياسية والفكرية التي وسمت الحياة السياسية الفلسطينية منذ قرابة العقدين.

وهنا نشير الى تطور نوعي طرأ على محتوى الثقافة السياسية برر حسم الخلاف السياسي بالقوة المسلحة وشيوع افكار التكفير والتخوين والاقصاء بدل التوافق والحوار والتسامح مع المختلفين .وتمحورت مروحة الحلول للخروج من المأزق الراهن حول مجموعة من الافكار أهمها : حل السلطة واعادة الامانة لمنظمة التحرير وتفعيلها واحياء مؤسساتها المعطلة والمهمشة، ووقف المفاوضات العبثية واعادة القضية للشرعية الدولية، وسحب مشروع الدولتين من التداول، لانه بات مصلحة اسرائيلية تغطي استمرار التهويد والاستيطان ، واعادة شعار الدولة الديمقراطية الواحدة كحل اخلاقي للطرفين، والاستعداد لممارسة المقاومة العنيفة على اعتبار ان لا حل بلا هزيمة ماحقة لمشروع الدولة الصهيونية .

لقد برزت أفكار تجديد شرعية النظام السياسي داخل السلطة والمنظمة والفصائل والمنظمات الشعبية قبل اندلاع ثورة الربيع العربي، لكنها عجزت عن النفاذ الى اجندات الفصائل على اختلاف مشاربها السياسية والفكرية التي ظلت تميل الى الابقاء على صيغة المحاصصة والكوتا، فمقياس القوة والنفوذ بات يعتمد بصورة جوهرية على صلات هذه الفصائل بالمراكز الاقليمية والدولية ومصادر تمويلها .

اليوم وبعد ان تحول مطلب الشعب يريد، والشعب مصدر السلطات شعارا اساسيا في العالم العربي، بما يعني ان لا شرعية لنظام خارج ارادة الشعب، اصبح هذا الشعار ممكنا وواقعيا في الحالة الفلسطينية ،في الرد على حالة الانقسام والتشرذم، وكما تقول البروفيسورة كرمة النابلسي رائدة مشروع تجديد الديمقراطية والشرعية الفلسطينية فإن "الدعوة إلى انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني هي المطلب الوحيد الذي يجتمع حوله كل الفلسطينيين". وتضيف الاستاذه في جامعة اوكسفورد"ان هذا المطلب يشكل مخرجا لانه يرقى فوق الفصيل والايديولوجيا والتوجه السياسي، لأنه مبني على المبدأ السيادي الذي ينص على أن كل الفلسطينيين في الوطن أو المنفى لهم نفس الحقوق الإنسانية، وهم متساوون في حقهم بتقرير سياسات وأسس ومؤسسات واستراتيجيات الشعب الفلسطيني. إن التجــمع حول هذا المبدأ يمكننا من اخراج عملية اتخاذ القرارات من أيدي القلــة وإعادتها الى أيدي الشعب بكل أطيــــافه، إسلاميين أو علمانيين، الذين يؤمنون بحل الدولة أو الدولتين، محافظين أو راديكاليين".

ان هدف تجسيد وحدة الشعب بملايينه الاثني عشر وشتاته في اصقاع الارض لا يمكن تحقيقه الا بفعل ايجابي يعيد الاعتبار لصوت ورأي كل فلسطيني عانى من الاقصاء والتهميش وادعاء تمثيله.

فلا تغيير القيادة او استعادة الوحدة على اسس المحاصصة ولا تفعيل منظمة التحرير بتركيبتها الحالية قادر على استعادة روح الشعب الكفاحية. وحدها انتخابات حرة ونزيهة لبرلمان الفلسطينين "المجلس الوطني" واستعادة صفته التمثيلية الحقيقية للداخل والخارج والشتات يمكنها ان تدخل الفلسطينيين في مرجل عملية سياسية كبرى تشعرهم بالفخر والكرامة والمشاركة الفعلية في تقرير مصيرهم.

وحده مجلس وطني منتخب يمكنه اعادة صياغة ميثاقه على اسس اجماع حقيقية يعكس الارادة الحقيقية لشعبنا الفلسطيني. ان الجسد التمثيلي المنتخب وحده يعيد تعريف المشروع الوطني وثوابته واستراتيجياته، بل هو وحده من يؤمن للقيادة القدرة على مواجهة الضغوط الاقليمية والدولية.

ان ما يزيدنا تفاؤلا بإمكانية تحقيق هدف الانتخابات المباشرة للمجلس والوطني الفلسطيني هو الاجماع والتوافق الوطني بين مختلف التيارات في السلطة والمعارضة. وقد ورد تجسيده في مختلف مراحل الحوار الوطني، وفي المقدمة البند الثاني من وثيقة الاسرى التي حظيت بإجماع وطني تام، وصولا الى تفاهمات القاهرة والدوحة.

اللعبة القديمة التي أبّدت القيادات وطنيا وفصائليا ودمرت الحياة السياسية في حالة استقطاب قبائلية لا يمكنها الاستمرار، ومعزوفة العوائق العملية للانتخابات الحرة في دول الطوق لم تعد تنطلي على احد، فالتقدم التقني الهائل الذي حصل في السنوات العشر الماضية من شأنه تسهيل مهمات التسجيل والاستفتاء والتصويت والسرية وتحت كل الظروف.

فقط الشعب الحر والمسؤول عن مصيره والمشارك في صنع مستقبله يمكن أن ينتصر.

 

نشر هذا المقال في موقع في المرصاد.