كيف نحطم اسوار السجن السياسي الذي نعيش فيه اليوم؟

img02

بقلم د. كرمة النابلسي.

 


لقد حانت اللحظة، فبعد أكثر من عشر سنوات من التنظيم والعمل الدؤوب، وبقدرة خلاقة وجمال يسلب الأنفاس، أمسك الشباب العرب بزمام مصائرهم. كل منهم سعى وراء الحق الإنساني، الذي طالما سعى إليه الأحرار في كل أرجاء الأرض، أن يُعتبر صوتهم الفردي جزءاً لا يتجزأ من الصوت الجمعي، وأن يصنعوا مصيرهم، وقبل كل شيء، أن يمثلوا أنفسهم. وكل هذا لا يتم إلا تحت مبدأ سيادة الشعب، ذلك المبدأ الموحد الإعجازي الذي لا يهزم. ولا شك أن خوض غمار العمل العام في الساحة الوطنية واستعادة المؤسسات كان السبيل الوحيد أمام الشجعان في مختلف أقطار عالمنا العربي لتحرير أنفسهم من سجون الطغيان.

واليوم، في كل التجمعات الفلسطينية في الشتات أو تحت الاحتلال، يُطرح السؤال نفسه: ألم يحن موعدنا بعد؟ وكيف لنا أن نتخطى السيطرة والتبعية، المفروضة علينا من الاستعمار الخارجي، والكبت والانقسام الداخلي والتفتيت الجغرافي، وكل العوامل التي أبقتنا منقسمين وغير قادرين على توحيد الصفوف؟ الوضع الفلسطيني يبدو أعقد ألف مرة من أوضاع البحرين أو مصر أو ليبيا أو الأردن.

لا يوجد إلا وسيلة ومطلب واحد فقط لتخطي كل العقبات، وقد بدأ الفلسطينيون فعلا بالتجمع حوله. انه نفس المطلب الذي تتمسك به كل الثورات العربية وهو المبدأ الديمقراطي الأساسي، سيادة الشعب. لا صوت يعلو فوق صوت الشعب، هذه هي القاعدة الوحيدة التي يرتكز عليها البنيان الديمقراطي. لا حاجة لشيء آخر عدا الشجاعة والالتزام، وهما صفتان يملك منهما شبابنا الفلسطيني فائضاً كبيراً. إن الدعوة إلى انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني هي المطلب الوحيد الذي يجتمع حوله كل الفلسطينيين، لأنه يرقى فوق الفصيل والايديولوجيا والتوجه السياسي. انه المطلب الثوري الوحيد الذي نستطيع باجتماعنا حوله تحطيم أسوار السجن السياسي الذي نعيش فيه اليوم، لأنه مبني على المبدأ السيادي الذي ينص على أن كل الفلسطينيين في الوطن أو المنفى لهم نفس الحقوق الإنسانية، وهم متساوون في حقهم بتقرير سياسات وأسس ومؤسسات واستراتيجيات الشعب الفلسطيني. إن التجــمع حول هذا المبدأ يمكننا من اخراج عملية اتخاذ القرارات من أيدي القلــة وإعادتها الى أيدي الشعب بكل أطيــــافه، إسلاميين أو علمانيين، الذين يؤمنون بحل الدولة أو الدولتين، محافظين أو راديكاليين. إننا بحاجة لكل القطاعات في هذه اللحظة، والشعب وحده هو القادر على القيادة.

ان التمثيل الديمقراطي الحقيقي الذي يناضل اليوم من أجله المواطنون في قرى سيدي بوزيد وشوارع القاهرة هو أثمن الحريات. هذا التمثيل الديمقراطي لا يمكن تحقيقه من خلال انتخابات رئاسية جديدة، ولا يمكن الوصول إليه عن طريق انتخابات للمجلس التشريعي. لن يأتي هذا التمثيل من خلال استقالة القيادة أو نقل صلاحياتها إلى جبهة إنقاذ وطني أو حكومة انتقالية. حتى المصالحة المنشودة بين فتح وحماس ووصولهما الى اتفاق حول إعادة تفعيل منظمة التحرير، على أساس تقاسم مقاعد المجلس الوطني بين الحركتين، لن يؤدي إلى التمثيل الديمقراطي. كثير من الخطوات على هذا النمط مصممة خصيصاً لابقاء السلطة بعيدة عن أيدي الشعب الفلسطيني. مثل هذه الخطوات تكرس نهج تهميش الملايين من الفلسطينيين الذين لم يمارسوا قط حق التصويت، وعاشوا حياة مليئة بالنضال في سجــون الأنظمة العربية ومخيمات اللاجئين المريعة. أصوات هؤلاء لها أهمية وكرامة مساوية لكل صوت فلسطيني آخر.

ان ارادة الشعب الفلسطيني بأجمعه لا يمكن أن تمثل الا من خلال مجلس وطني جديد منتخب، وهذا هو السبيل الوحيد لحفظ حق الانتخاب لكل فلسطيني. لا يملك حق سن التشريعات واقرارها سوى جسد شرعي وديمقراطي يمثل شعبنا ككل. فعلى سبيل المثال، هذا الجسد هو الوحيد القادر على تعديل ميثاقنا الوطني، لكي يعكس، كما كان في السابق، الارادة الحقيقية لشعبنا الفلسطيني. ان الجسد التمثيلي هو وحده القادر على اعادة رسم استراتيجياتنا وسياساتنا التحريرية، وهو وحده القادر على تثبيت المبادئ التي توحدنا في نضالنا: تحرير الوطن، العودة، وتقرير المصير. ان انتخاب هذا الجسد هو المطلب الوحيد الذي يعبئ كل أبناء شعبنا بغض النظر عن مكان سكنهم، فهو المطلب الوحيد الذي يضم الجميع، ولا يفرق أو يشتت، ولا يقرر من له الحق في التكلم بالنيابة عن الشعب وباسمه. ولذلك، ان استعادة المجلس الوطني أكثر من ضرورة طارئة، بل انه الوسيلة الوحيدة للتغيير الثوري الحقيقي والأسلوب الوحيد لقلب واقعنا القائم.

التغيير الحقيقي لن يأتي الا عن طريق المبادئ التي توحدنا وتحررنا وتدفعنا للنضال دفاعا عنها. فكرة الانتخابات المباشرة للمجلس الوطني تحظى بإجماع فلسطيني، فهي متفق عليها ضمن صفوف الناشطين الفلسطينيين منذ عقد من الزمن تقريبا، ويعترف بها كل فصيل أو تجمع فلسطيني مهم. كما أن فتح وحماس وأحزاب سياسية اخرى وافقت على هذا المبدأ في البند الثاني لوثيقة الأسرى. ولسنوات طويلة، توحدت جمعيات ومؤسسات اللاجئين في حملة تدعو الى ثلاثة مطالب، حظيت بإجماع وطني تام ويطالب بها شبابنا اليوم: عقد انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، الهيئة البرلمانية التي تمنح السلطة وترسم البرنامج السياسي، والاستراتيجيات والسياسات لمنظمة التحرير الفلسطينية في كانون الثاني (يناير) 2012.

إدراج جميع أبناء شعبنا'في تلك الانتخابات أينما وجدوا، في الوطن، وفي الشتات، وفي السجون وفي مخيمات اللاجئين.

أن تكون هذه الهيئة التمثيلية الجديدة انعكاسا لجميع قطاعات شعبنا، بموجبها يتم إصلاح وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تجسد إرادة الشعب الفلسطيني كله، وفقاً لمبدأ الانتخابات المباشرة.

في أية عملية إصلاح ديمقراطي حقيقية، تكمن الخطوة الأولى في استعادة الصرح الوطني لكي يمثل فعلاً كل الشعب وفعالياته وليصبح هذا الصرح بالتالي حراً. هذا الجسد الجديد له الحق الحصري في إقرار المبادئ الجماعية والسياسات والخطوات لأي شعب على وجه الأرض. لا شيء غير مجلس وطني فلسطيني منتخب بواسطة الاقتراع المباشر، يملك الشرعية الديمقراطية للقيام بأية قرارات مهمة. إن إعادة إحياء هذا الجسد تأتي قبل أية خطوة إصلاحية أخرى. وإذا لم تتخذ هذه الخطوة الأولى ستبقى القرارات بيد أقلية منتفعة تسيطر علينا بقوة السلاح وبتواطئها مع الأنظمة العربية.

على مر القرون، أثبتت كل الثورات، وآخرها ثورتا تونس ومصر، أن الحملات التعبوية الفعالة تبنى دوماً على مفاهيم بسيطة، مباشرة، موحدة، عليها إجماع شعبي عريض. حملة الانتخابات المباشرة للمجلس الوطني تعطي وضوحاً ومضموناً للدعوة إلى الوحدة الوطنية، وهي توفر الأرضية الثابتة الوحيدة لانهاء الانقسام بين الحركات الفلسطينية، وبين غزة والضفة الغربية، وبين فلسطين والغالبية الفلسطينية التي تعيش خارجها، فالكل له الحق بالمشاركة.

ان التحدي الماثل امام شعبنا اليوم هو التمسك بهذه المطالب في وجه كل الطروحات التي ستحشد، وكل العوائق اللوجستية التي ستذكر من قبل الذين يريدون ابقاء النظام القديم او الذين يريدون أن يصبحوا قادة نظام جديد. اذا نظمنا وعبأنا على أساس واضح ينص على أن لكل فلسطيني حقا متساويا للمشاركة في صياغة مستقبلنا السياسي، وأن كلا منا متساو في حمل مسؤولية انتخاب تمثيلنا الديمقراطي، عندئذ فقط سنصبح موحدين فعلا وسنكون حقا أحرارا.

 

نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.