يا فلسطينيي جميع البلدان .. استيقظوا واتحدوا!

img02

عريب الرنتاوي - نقِرُّ بأن المصالحة الوطنية الفلسطينية -حتى وإن جاءت وفقاً لما أسميناه من قبل “سيناريو كردستان العراق”- أفضل من استمرار الانقسام، فوجود حكومة واحدة لإقليمين منفصلين حزبياً (السليمانية وأربيل)، أو منفصلين حزبيا وجغرافيا (غزة والضفة)، أفضل بكل المقاييس والمعايير مما أسميناه من قبل أيضاً سيناريو “باكستان وبنغلادش”..الوحدة الهشة والفوقية، أفضل من الانقسام الأفقي والعامودي.

ونُقِرُّ أيضاً، بأن مصالحة لا تنهض على استراتيجية وطنية موحدة بديلة، وتستند إلى برنامج مشترك وتوافق وطني عريض حول أدوات النضال والكفاح (الجهاد)، لن تمكن الشعب الفلسطيني من استنهاض حركته الوطنية الوطنية التحريرية، وإعادة الاعتبار لقضيته وحقوقه، الغائبة تماماً عن جدول أعمال المجتمعين العربي والدولي، فنحن بحاجة إلى ما هو أكثر وأبعد من مجرد “إدارة الانقسام”، برغم إقرارنا المُتكرر بأن “إدارة الانقسام” أفضل بكثير من “انفلاته وانفلاشه”، حتى وإن رجمنا البعض بفرية تقمص ذهنية “سعيد أبي النحس المتشائل”.

لكننا ونحن نُقِرُّ بذلك ونقول به، نرى أن الشعب الفلسطيني بحاجة لما هو أكثر وأبعد من ذلك بكثير، في ظل جملة المعطيات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بقضيته الوطنية..بدءاً من تفشي “حالة الإنكار والتجاهل” التي تمر بها القضية الفلسطينية على الساحتين الإقليمية والدولية، مروراً بتنامي عدوانية المجتمع الإسرائيلي وتطرفه الديني والقومي وما يعنيه ذلك من انسداد آفاق الحلول التفاوضية حتى إشعار آخر، وانتهاء بالقيود والمصاعب التي تحيط بـ”خيار المقاومة” كما عرفناه وعرّفه أهله، في ظل عملية خلط الأوراق الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية، التي ما زال وستبقى لعقد قادم على الأقل، تعيش على وقع “زلزال الربيع العربي”.

الشعب الفلسطيني بحاجة أولاً وقبل أي شيء آخر، إلى إعادة بعث حركته الوطنية التحريرية، في إطار منظمة التحرير، التي تعيش حالة من “الموت السريري” منذ عشريتين من السنين على الأقل..خضعت خلالهما، وهي مرشحة قبل المصالحة وبعدها، للاستمرار في الخضوع لـ”هيمنتين”: الأولى، فصائلية/ إقصائية، تستأثر بالمؤسسة والسلطة ومركز صنع القرار، من دون أن تنجح في إدماج الطاقات الخلاقة للشعب، التي تتموضع في غالبيتها العظمى خارج الفصائل المذكورة، بل وتنظر لمعظم هذه الفصائل، إن لم يكن لها جميعها، بوصفها جزءا من المشكلة، بعد أن كانت الأمل في الحل والنصر..استمرار هذا الوضع، سيحرم المنظمة والحركة الوطنية من جهود ومشاركة مئات ألوف النشطاء الفلسطينيين في الوطن المحتل والمحاصر، وعلى امتداد قارات العالم الخمس، وسيبُقي المنظمة إطاراً بيروقراطياً عاجزاً عن الارتقاء إلى مستوى الطموحات والتحديات التي تعتمل في صدور الفلسطينيين وتواجههم في كل مكان.

أما الهيمنة الثانية، فتتمثل في سيطرة الجيلين الأول والثاني من أجيال النكبة على مقاليد السلطة والقرار والمؤسسات في المنظمة والحركة الوطنية..الشعب الفلسطيني يستقبل اليوم الجيل الرابع من أبناء الهجرة والنكبة..جيل ما زال على مقاعد الدراسة بعد، لكن الجيل الثالث، الشاب المنتج والمتحقق في ميادين عديدة، نشأ وتكون في سنوات الغياب والتغييب والغيبوبة التي عاشتها منظمة التحرير، بل هو لا يعرف عنها، وبالكاد يذكر فصولاً من تاريخها..هذا الجيل على اتساعه، ما زال غير ممثل في مؤسسات المنظمة، منفصل عنها، بل وينظر بكثير من الريبة وعدم الثقة لفصائلها وقياداتها، بما فيها تلك التي لم تنضو رسمياً في صفوفها، وأعني بذلك فصائل العمل الوطني الإسلامي الفلسطيني...ومن يطوف بتجمعات الشعب الفلسطيني وجالياته، يلمس هذه الحقيقة لمس اليد، وليس صعباً عليه النطق بها علناً إن تحلّى بقليل من الجرأة وبعض الموضوعية، أي بقليل من “اللا فصائلية”.

المصالحة تنطوي على فرصة إعادة بعث المنظمة من رماد الهزيمة وسبُاتها..هزيمة الخيار التفاوضي، وانسداد أفق الخيار المقاوم بشروطه المعروفة..المصالحة تنطوي على فرصة تصحيح الخلل الناجم عن “الهيمنتين” معاً..الفصائل والأجيال السابقة.

لكنها فرصة محفوفة بالمخاطر، وفي طليعتها استمرار القديم على قدمه..استمرار الحنين لنظام “الكوتا الفصائلية” المُكرِس للهيمنة والشلل وانعدام الاقتدار..استمرار الحنين لفصائلية تتجه لخسارة دورها الطليعي والريادي بعد مرور 4- 5 عقود على انطلاقات معظم الفصائل، وغالباً بنفس الأسماء والوجوه، لكأن الشعب الفلسطيني كفّ عن الإنجاب والتوالد.

ما يُشاع عن “تعذر إجراء الانتخابات” في معظم مناطق الكثافة الفلسطينية، حتى قبل إجراء ما يلزم من المحاولات (إقراء الضغوط)، هو ضرب من “الاستسهال” والحنين للصيغ البالية التي استهلكت تماماً، وما عادت تلامس تطلع الجيل الشاب من اللاجئين الفلسطينيين للمشاركة والتمثيل..هو ضرب من تكريس لنظام المحاصصات الفصائلية المسؤول عن هذه “الثنائية” القاتلة في المشهد السياسي الفلسطيني.

أنت بالطبع، لا تستمع من أي فصيل لرفض صُراح لهذا المنطق..الكل يحدثك عن الانتخابات، والكل يلوم الكل عن تعطيل مسار الانتخابات العامة والشاملة..الكل يذكرك بـ”التمثيل النسبي الكامل”،حتى وأنت تعرف بأن كثير من الفصائل، “ستنقرض انتخابياً” إن اعتمد هذا النظام..بيد أن الجميع يراهن على عدم وجود رغبة أو إرادة في سلوك طريق الانتخابات الشاملة، في الوطن المحتل والمحاصر والشتات.

لكن المصالحة التي نُقر بأهميتها وأولويتها، يجب ألا تُضيّع على الشعب الفلسطيني فرصة تاريخية، قد لا تتكرر لسنوات قادمة، للضغط على قيادته، كل قيادته، ومن كل الفصائل، من أجل إجراء الانتخابات العامة للمجلس الوطني (ومن ضمنه التشريعي)..انتخابات مستوفية لكافة إجراءاتها ومعاييرها، بدءا بحصر الشتات الفلسطيني أفراداً ومؤسسات، مروراً بإعداد وتنقيح وتسجيل الناخبين المؤهلين للإدلاء بأصواتهم، وانتهاء بكافة إجراءات الاقتراع والطعن، مع توفير كافة الضمانات لمنافسة مفتوحة وعادلة و”متساوية” لكل من يرغب بالمشاركة في هذه العملية، ترشيحاً واقتراعا.

على الشعب الفلسطيني، وطلائعه الشابة والواعدة بشكل خاص، أن يُشمر عن سواعده، الآن وليس قبل فوات الأوان، من أجل انتزاع حقه في انتخاب ممثليه وقادته للمرحلة المقبلة، إيماناً منه بحقه المقدس في الحرية والاستقلال، ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل نقول: يا فلسطينيي جميع البلدان..استيقظوا واتحدوا!.

نشر الخبر في :

جريدة الدستور